وعليه فلا ينبغي أن يتصوّر الإنسان أنّ الانتقام عند القدرة سيجلب له الفخر والعزّة، فالفخر هو أن يتحرّك الإنسان في هذه الموارد من موقع ضبط النفس وتحريك عناصر الخير في أعماقه والمقابلة بالعفو والصفح فيما إذا كان العفو في موقعه ولم يثر في نفس الطرف الآخر عناصر الشر أو سو الظن.

—–

وتتعرض «الآية العاشرة» والأخيرة من الآيات محل البحث إلى موقف النبي من المشركين وتوصيته بأن يتخذ الصبر جلباباً في مقابل أذى المشركين وعدوان المعاندين والمخالفين وتقول: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلا).

ومعلوم أنّ أحد الوسائل في عملية التصدّي للرسالة والدعوة الإلهية وما كان يمارسه المشركون والأعداء تجاه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) هو أنواع الهتك والإهانة والشتم والأذى للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بحيث كان يشتد على قلب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)ذلك أحياناً، ولكن مع ذلك فإنّ الله تعالى يوصيه بالتزام الصبر والمداراة وغض الطرف عن ذلك الواقع المؤلم وأن يهجرهم هجراً جميلاً.

والمراد بـ (الهجر الجميل) هو الهجران المقترن بالمحبّة وحسن الخلق والتأسف على حال هؤلاء الناس المشاكسين ودعوتهم إلى الحق والخير، وهذه هي إحدى الطرق التربوية في مقابل الأفراد الذين يعيشون حالة الجهل والعناد في مقابل الحق بحيث إذا تعامل معهم الإنسان بالمثل فإنّ ذلك من شأنه أن يزيدهم طغياناً وعناداً، ولذا أمرت الآية الشريفة أن يتّخذ الإنسان موقف اللامبالاة أمام أذاهم وكلماتهم اللامسؤولة، ولكن البعض تصوّر أنّ الأمر في هذه الآية كان قبل نزول آية الجهاد التي نسخت هذه الآية واستبدلت العفو بالجهاد، وفي حين أنّ الأمر ليس كذلك، لأنّ الجهاد له محل معيّن، والهجر الجميل له محل آخر.

[ 379 ]

وعلى أيّة حال فإنّ هذه الآية توصي بإتّخاذ سلوك العفو والصفح وخاصة في مقابل الأشخاص الذين ينطلق لسانهم دائماً بالكلمات الوقحة واللاّمسؤولة ولا يمتنعون عن أي كلام وقح وذميم، لأنّ الهجر الجميل لا يتحقّق بدون عملية العفو والصفح.

وكما يقول المرحوم الطبرسي في مجمع البيان أنّ هذه الآية بمثابة الخطاب لجميع الدعاة والمبلّغين في كل زمان ومكان أن يلتزموا جانب ضبط النفس في مقابل أذى المخالفين والأعداء ولا يستسلموا أمام حالات الانفعال لموقف الجهلاء وكلماتهم اللاّمسؤولة ويقابلوهم بحسن الأخلاق والمداراة والإغماض(1).

—–

وهكذا توضّح الآيات أعلاه والتي تخاطب أحياناً جميع المسلمين وأحياناً اُخرى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بعنوان قائد الاُمّة الإسلامية، المقام السامي للعفو والصفح من بين الفضائل الأخلاقية والمثل الإنسانية العليا في مقابل الحوادث الصعبة وتحدّيات الواقع الاجتماعي غير الملائم، وتجعل من هذه الفضيلة الأخلاقية أساساً للتعامل الإسلامي بين أفراد المجتمع وحتى في مقابل الأعداء والمخالفين فيما لو لم يترتب على العفو والصفح أثراً سلبياً.

 

العفو والانتقام في الروايات الإسلامية:

أمّا في دائرة الروايات الإسلامية فنجد لمسألة العفو وكونه من الفضائل الأخلاقية السامية وكذلك ذم الانتقام إنعكاساً كبيراً، فقد وردت عبارات مثيرة في هذا الباب ومن ذلك:

1 ـ ما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إِذا كـانَ يَومَ القَيـامَةِ نـادى مُنـاد مَنْ كـانَ أَجرُهُ عَلَى اللهِ فَليَدخُلِ الجَنَّةَ فَيُقالُ مَنْ ذا الَّذِي أَجرُهِ عَلَى اللهِ فَيُقـالُ


1. مجمع البيان، ج10، ص379.

[ 380 ]

العـافُونَ عَنِ النَّاسِ فَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسـاب»(1).

2 ـ ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال في أحد خطبه: «ألا اُخبِرُكُم بِخَيرِ خَلائِقِ الدُّنيـا وَالآخِرَةِ العَفوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ وَالإِحسـانُ إِلى مَنْ أَسـاءَ إِلَيكَ، وَإِعطَـاءُ مَنْ حَرَمَكَ»(2).

فنرى في هذا الحديث الشريف المرتبة السامية للعفو والصفح، وهو جواب السيئة بالحسنة وأنّ هذا المقام هومقام الأنبياء والأولياء والصلحاء من الناس.

3 ـ وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «العَفوُ تـاجُ المَكـارِمِ»(3).

ونعلم أنّ التاج هو علامة العظمة والقدرة والعزّة وكذلك يستخدم كزينة ويوضع على أشرف موضع من بدن الإنسان وهوالرأس، وهذا التعبير الوارد في الحديث الشريف يشير إلى أنّ العفو والصفح له مقام ممتاز من بين الفضائل الأخلاقية الاُخرى.

4 ـ وورد في حديث آخر عن هذا الإمام(عليه السلام) أنّه قال: «شَيئـانِ لا يُوزَنُ ثَوابُهُمـا العَفوُ وَالعَدلُ»(4).

إنّ جعل العفو إلى جانب العدل في الحديث الشريف يوضّح من جهة أهميّة العفو في عملية التفاعل الاجتماعي والمرتبة المعنويّة العالية له، ومن جهة اُخرى يدلّ على أنّه قرين العدل، لأنّ العدل مضافاً إلى أنّه سلوك الفرد في خط الحق فإنّه يتسبب في تقوية مفاصل النظام في المجتمع، ولكن العفو بما هو فضيلة أخلاقية يتسبب في رفع الحقد والكراهية واستبدالهما بالعواطف الإنسانية والمحبّة في العلاقات الاجتماعية، وإقتران هذين العنصرين في الدائرة الاجتماعية يرفع كل أشكال الظلم والتعدّي على حقوق الآخرين.

5 ـ ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام(عليه السلام) في وصفه لأشقى الناس: «شَرُّ النَّاسِ مَنْ لا


1. المصدرالسابق، في تفسير ذيل الآية الشريفة 40 من سورة الشورى.
2. اصول الكافي، ج2، ص107.
3. غرر الحكم.
4. المصدر السابق.

[ 381 ]

يَعفُ عَنِ الزَّلَّةِ وَلا يَستُرُ العَورَةَ»(1).

6 ـ ونقرأ في حديث آخر أنّه جاء شخص من الأشقياء إلى المأمون وكان المأمون قد عزم على قتله، وكان الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حاضراً في ذلك المجلس فقال المأمون: «مـا تَقُولُ يـا أَبـا الحَسَنِ، فَقَالَ: أَقُولُ: إِنَّ اللهَ لا يَزيدُكَ بِحُسنُ العَفوِ إلاّ عِزَّاً فَعفى عَنهُ»(2).

وهكذا نجد أنّ المأمون قد عفى عن هذا الشخص الذي تجرّأ على ارتكاب ما هو ممنوع (وباحتمال قوى أنّه ارتكب جرماً سياسياً).

7 ـ وجاء في حديث آخر عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) قوله: «قِلَّةُ العَفوِ أَقبَحُ العُيُوبِ وَالتَّسَرُعُ إِلى الإنتِقـامِ أَعظَمُ الذُّنُوبِ»(3)

8 ـ وجاء في نهج البلاغة في الكلمات القصار عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قوله: «إذا قَدَرتَ عَلَى عَدُوكَ فَاجعَلِ العَفوَ عَنهُ شُكراً لِلقُدرَةِ عَلَيهِ»(4).

ونفس هذا المعنى ورد بصورة اُخرى ومن ذلك قوله: «العَفوُ زَكـاةُ الظّفَرِ»(5)

9 ـ وورد في حديث الإمام أبو الحسن الرضا(عليه السلام) (أو الإمام الهادي(عليه السلام)) أنّه قال: «مـا التَقَتَ فِئَتـانِ قَطُّ إلاّ نَصَرَ اللهُ أَعظَمُهُمـا عَفواً»(6)

10 ـ ونختم هذا البحث بحديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «دَعِ الإِنتِقـامَ فَإِنَّهُ مِنْ أَسوءِ أَفعـالِ المُقتَدِرِ»(7).

ويستفاد من مجموع هذه الأحاديث الشريفة الأهميّة الكبرى التي يوليها الإسلام للعفو والصفح وكذلك يتّضح قبح الحقد والانتقام والثأر، والأحاديث الشريفة في هذا الباب كثيرة لا يمكننا استعراضها في هذا المختصر.


1. غرر الحكم.
2. بحار الانوار، ج49، ص172، ج10.
3. غرر الحكم.
4. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 11.
5. المصدر السابق.
6. بحار الانوار، ج68، ص424، ح65.
7. غرر الحكم.

[ 382 ]

أقسام العفو:

إنّ فضيلة العفو والصفح وترك الانتقام والثأر تعتبر أصلاً من الاُصول الشرعية والعقلية الواردة في الكتاب والسنة، ولكنّه لا يعني عدم وجود الاستثناء في بعض الموارد، بل هناك موارد يكون العفو والصفح فيها سبباً لجرّأة المجرمين والمنحرفين، ولا شك أنّه لا أحد يرى في العفو في مثل هذه الموارد فضيلة أخلاقية، بل إنّ حفظ نظام المجتمع والنهي عن المنكر والتصدّي لمنع وقوع الجريمة تقتضي عدم التساهل مع المجرم، وترك العفو في مثل هذه الموارد، والعمل بمقتضى العدل وما يفرضه من العقاب على المجرم.

ولذلك ورد في القرآن الكريم بالنسبة إلى المقابلة بالمثل في الآية 194 من سورة البقرة إشارة إلى هذا المعنى حيث تقول: (فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ).

وطبعاً هناك احتمال آخر في تفسير هذه الآية، وهو أنّ هذه الآية في مقام جواز القصاص العادل فقط ولا تدلّ على الوجوب أو الاستحباب (وفي الاصطلاح أنّ الأمر هنا هو في مقام توهّم الخطر والمنع).

وعلى أية حال فإنّ العفو والعقوبة لكل واحدة منهما محلاًّ خاصاً لا ينبغي استخدام أحدهما مكان الآخر، فالعفو إنّما يكون فضيلة فيما لو كان الإنسان قادراً على الإنتقام والمقابلة بالمثل وأنّه لو سلك طريق العفو لم يكن ذلك من موقع الضعف والتخاذل ولا يرى الطرف الآخر أنّ هذا الموقف الإنساني نقطة ضعف في هذا الشخص، فمثل هذه الحالة للعفو تكون مفيدة وبنّاءة للطرفين، فإنّها بالنسبة إلى الطرف المظلوم والذي مكنته الظروف من الظالم يسبب في صفاء قلبه وضبط جماح نفسه وسيطرته على نوازعه وأهوائه النفسانية، وكذلك يعتبر مفيداً للظالم المغلوب حيث يدفعه إلى إصلاح نفسه وتهذيبها وعدم تكرار ذلك العمل العدواني.

وقد نجد في الأحاديث الإسلامية أيضاً إشارة إلى هذا الاستثناء، ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «العَفوُ يُفسِدُ مِنَ اللَّئِيمِ بِقَدَرِ إِصلاحِهِ مِنَ الكَرِيمِ»(1).


1. كنز العمال، ج2، ص182; شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج20، ص270، ح124.

[ 383 ]

ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام قوله: «العَفوُ عَنِ المُقِرِّ لا عَنِ المُصِرِّ عَفو»(1).

وأيضاً ورد في الحديث الشريف عن هذا الإمام(عليه السلام) أيضاً قوله: «جـاز بِالحَسَنَةِ وَتَجـاوَزَ عَنِ السَّيئَةِ مـا لَم يَكُن ثَلماً فِي الدِّينِ أَو وَهناً فِي سُلطـانِ الإسلامِ»(2).

ففي مثل هذه الموارد يجب التحرّك على مستوى إلحاق الجزاء العادل بالمسيء.

وجاء في حديث آخر عن الإمام زين العابدين(عليه السلام) في تأييد هذا المعنى حيث قال: «حَقٌ مَنْ أَسـاءَكَ أَنْ تَعفُوَ عَنهُ، وَإِنْ عَلِمتَ أَنَّ العَفوَ عَنهُ يضِرُّ إِنتَصَرتَ قـالَ اللهُ تَبـارَكَ وَتَعـالَى وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلِمهِ فَاُولَئِكَ مـا عَلَيهِم مِنْ سَبِيل»(3).

ولكن لا ينبغي أن يكون وجود هذا الاستثناء سبباً لسوء التصرّف في بعض الموارد وأن يجعلها بعض الناس ذريعة للإنتقام في مورد العفو بحجّة أنّ العفو هنا يتسبب في زيادة الجرأة لدى المذنب والمجرم، بل ينبغي النظر بأخلاص وبعيداً عن حالات التعصّب إلى أصل العفو والصفح وموارد الاستثناء بدّقة كبيرة والعمل طبق هذه الموارد والاستثناءات.

والجدير بالذكر أنّ العفو في دائرة إجراء الحدود والتعزيرات الشرعية غير جائز إلاّ في بعض الموارد المنصوصة في الروايات الإسلامية، لأنّ إجراء الحد والتعزير يعدّ من الواجبات الشرعية في مواردها.

 

الآثار الإيجابية والثمار الطيبة للعفو والصفح:

رأينا أنّ العفو والصفح باعتبارهما من الفضائل الأخلاقية التي وردت كثيراً في الآيات والروايات الشريفة تجتمع فيها آثار إيجابية ومعطيات حميدة كثيرة في حركة الحياة الفردية والاجتماعية حيث يمكن بيان خلاصتها:

1 ـ إنّ سلوك طريق العفو والصفح يمكنه أن يبدّل العدو الشرس أحياناً الى صديق حميم وخاصة فيما لو كان متزامناً بالإحسان إلى الطرف المقابل، أي بالإجابة بالحسنة مقابل


1. المصدر السابق، ح783، والمصدر نفسه، ص330، ح783.
2. غرر الحكم.
3. ميزان الحمة، ج3، ص2015، ح13225.

[ 384 ]

السيئة كما وردت الإشارة إلى ذلك في الآية 34 من سورة فصلت.

2 ـ إنّ العفو والصفح يتسببان في دوام الحكومات واستمرار القدرة السياسية بين ذلك الحاكم الذي يمارس العفو مقابل أعدائه حيث يقلل من حالة العداء والخصومة لدى مخالفيه ويزيد من جماعة الأصدقاء والمحبّين، ونقرأ ذلك في الحديث الشريف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله): «عَفوُ المُلُوكِ بَقـاءُ المُلكِ»(1).

3 ـ إنّ العمل بمقتضى العفو والصفح يتسبب في زيادة عزّة الشخص وتقوية مكانته وشخصيته في المجتمع، لأنّ ذلك علامة على قوة الشخصية والشرف وسعة الصدر، في حين أنّ ممارسة الانتقام والثأر يدلّ على ضيق الاُفق وعدم التسلّط على النفس وانفلات قوى الشر وتسلطها على الإنسان، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «عَلَيكُم بِالعَفوِ فَإِنَّ العَفوَ لا يَزيدُ إِلاّ عَّزاً»(2).

4 ـ إنّ العفو يقطع تسلسل الحوادث اللاّأخلاقية في واقع الناس من الحقد والبغضاء وكذلك السلوكيات الذميمة والقساوة والجريمة، وفي الواقع فإنّ العفو بمثابة المحطّة الأخيرة التي تقف عندها كل عناصر الشرّ هذه فلا يتجاوزها، لأنّ الانتقام والثأر يتسبب من جهة إلى تسعير نار الحقد في القلوب ويدعوها إلى التعامل بقساوة أشد ويفعّل فيها الكراهية وعناصر الخشونة، وهكذا يستمر الحال في عملية تصاعدية، وأحياناً يؤدّي الحال إلى نشوب معارك طاحنة بين طائفتين أو قبيلتين كبيرتين أو تسفك في ذلك الكثير من الدماء وتدمر الكثير من الطاقات والأموال والثروات.

وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «تَعـافُوا تَسقُطُ الضِّغـائِنُ بَينَكُم»(3).

5 ـ إنّ العفو يتسبب في سلامة الروح وهدوء النفس وسكينة القلب وبالتالي يتسبب في طول العمر كما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ كَثُرَ عَفوُهُ مُدَّ فِي عُمرُهُ»(4).


1. بحار الانوار، ج74، ص168.
2. اصول الكافي، ج2، ص108.
3. كنز العمال، ج3، ص373، ح7004.
4. ميزان الحكمة، ج3، ح13184.

[ 385 ]

وبالطبع فما ذكرنا أعلاه هو من قبيل الآثار الإيجابية الدنيوية والبركات الاجتماعية للعفو والصفح، وأمّا النتائج المعنوية والأجر والثواب الاُخروي فأكثر من ذلك بكثير، ونكتفي في هذا المعنى بحديث عن أميرالمؤمنين(صلى الله عليه وآله) يقول فيه: «العَفوُ مَعَ القُدرَةِ جُنَّةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ سُبحـانَهُ»(1).

وأمّا أسباب ودوافع الانتقام والثأر فكثيرة أيضاً ومنها ضيق الاُفق والصدر وعدم النظر إلى المستقبل، والحسد والحقد، وضعف النفس، واتباع الهوى، والكثير من الصفات الذميمة الاُخرى التي تدفع كل واحدة منها أو بضمّها إلى الاُخرى الإنسان إلى السقوط في نار الانتقام وحالة الردّ بالمثل للتشفي والأخذ بالثأر، وبالتالي زيادة النزاعات والصراعات بين الأفراد ممّا يفضي أخيراً إلى هدم نظام المجتمع وتلف الأموال والأنفس وهدر الطاقات والإمكانات للمجتمعات البشرية.

 

طرق علاج الانتقام وكسب فضيلة العفو:

إنّ أفضل الطرق لعلاج صفة الانتقام الرذيلة والصعود إلى أوج العزّة والكرامة باكتساب فضيلة العفو والصفح يكمن في الدرجة الاُولى بالتفكر السليم حول معطيات وآثار كل واحد من هاتين الصفتين الأخلاقيتين، فعندما يرى الإنسان ما في العفو والصفح من البركات والمواهب والمعطيات الدنيوية والاُخروية وكيف أنّه يتسبب في زيادة مكانته وعلو قدره وعزّته في نظر الخلق والخالق ويريح الإنسان من الكثير من المشكلات والمصاعب فيفتح له أبواب الحياة الكريمة ويثير المحبّة له في قلوب الناس، في حين أنّ الانتقام والردّ بالمثل أحياناً يؤدّي إلى انهدام عناصر الخير في حياة الإنسان ويعرّض نفسه وماله وسمعته إلى الخطر الأكيد، فحينئذ إذا قارن الإنسان بين هذه المعطيات الإيجابية والسلبية للطرفين فإنّه سيأخذ جانب العفو قطعاً ويرجحّه على جانب الانتقام ويستمر في سلوك هذا الطريق حتّى تحصل لديه ملكة أخلاقية لفضيلة العفو والصفح.


1. غرر الحكم.

[ 386 ]

ومن جهة اُخرى فعندما يتأمل الإنسان في جذور الحالة السلبية للإنتقام والدوافع النفسية التي تثير هذه الحالة في نفسه فإنّه سيتحرّك حتماً نحو علاجها والحد من شرّها وبذلك يتسنى له القضاء على المعلول في القضاء على علّته، فيتبدّل الحقد والكراهية وحبّ الانتقام إلى الاُخوة والمحبّة والعفو والصفح.

وبهذا نأتي على ختام بحثنا في فضيلة العفو والصفح وكذلك رذيلة حبّ الانتقام والثأر والردّ بالمثل رغم وجود مسائل كثيرة لم يسع المقام لذكرها.

—–

[ 387 ]

16/الغيرة وعدم الغيرة

16
الغيرة وعدم الغيرة

 

تنويه:

إنّ (الغيرة) وردت في الروايات الإسلامية والنصوص الدينية بعنوان أنّها فضيلة أخلاقية مهمّة، وهي في الأصل بمعنى الدفاع الشديد عن العرض والناموس أو المال والدين والمذهب والوطن وأمثال ذلك، وخاصة أنّ هذه المفردة وردت في موارد يكون فيها الحق مختصّاً بشخص معيّن أو جماعة، ويريد الآخرون التعرّض لهذا الحق وسلبه من صاحبه أو أصحابه، فيقوم الطرف الآخر بالدفاع الشديد عن حقّه.

وعلى أيّة حال فإنّ هذه الصفة إذا تحلّى بها الإنسان وسلك بها طريق الاعتدال فإنّها تعدّ فضيلة كبيرة في دائرة الأخلاق والقيم الإنسانية، فما أعظم حالاً من أن يقوم الإنسان بالتصدّي ومنع الأجنبي عن التخطي إلى حريم عرضه أو وطنه ويقف في مقابل هذا العدوان ويدافع عن حقّه إلى حدّ الموت.

ومع الأسف فإننا نعيش في العالم المعاصر الذي إفتقد كثيراً من القيم الأخلاقية واستولت عليه الكثير من الانحرافات الأخلاقية في دائرة الاُسر والعوائل الخاصة، ولاسيما ما نجده في العالم الغربي من الإرتباط اللاّمشروع بين النساء والرجال بحيث نسيت هذه الصفة الأخلاقية، بل إنّها وصلت لدى البعض إلى حالة معاكسة فأصبحت مخالفة للقيم

[ 388 ]

والاُصول الأخلاقية واعتبرت من قبيل التعصّبات العمياء والأنانية، وهذا يعدّ بذاته فاجعة كبيرة على المستوى الأخلاقي والثقافي، في حين أنّ الإنسان والمجتمع البشري لا يستطيع أن يتحرّك باتّجاه حماية الأخلاق والقيم والمباديء الدينية والاجتماعية بدون عنصر الغيرة.

وفي هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته دورساً وعبراً في هذه المسألة المهمّة والأساسية في حياة الإنسان الاجتماعية:

1 ـ (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنََما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا)(1).

2 ـ (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ)(2).

3 ـ (... وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)(3).

 

تفسير واستنتاج:

تتحدّث «الآية الاُولى» من الآيات محل البحث عن ثلاثة طوائف من الفئات الشريرة في المجتمع الإسلامي الأول في المدينة، فتذكر الآية هذه الطوائف الثلاث بأسم المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون، أي الذين يتحرّكون في بث الشائعات والأكاذيب بين الناس لتضعيف معنويّات المسلمين وإتهام النساء العفيفات والمحصنات وتحذّرهم الآية بأشد العذاب الإلهي وتقول: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنََما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا).


1. سوره الأحزاب، الآية 60 - 62.
2. سورة يوسف، الآية 33.
3. سورة النور، الآية 31.

[ 389 ]

هذه الغيرة الإلهية التي تقود المسلمين إلى الدفاع الشديد عن أعراضهم ونواميسهم وكيانهم هي اُسوة لجميع المسلمين في مسألة الغيرة على الدين والناموس، وتدلّ على أنّ الإنسان الذي يتحرّك في خط الإيمان والحق لا ينبغي أن يواجه ممارسات الأراذل والمنافقين والأشرار من موقع اللاّمبالاة وعدم الاهتمام والبرودة.

وهذا التعبير الوارد في الآية الكريمة يدلّ على أنّ هذه المسألة عبارة عن فضيلة أخلاقية كبيرة ووظيفة اجتماعية للمؤمنين رغم ما أورده التاريخ من سيرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)الذي كان يتشدّد في مثل هذه الموارد مع المخالفين وقوى الإنحراف.

إنّ الصفات الثلاثة التي ذكرتها الآية لهؤلاء المخالفين: (الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ) يمكنها أن تشير جميعها إلى طائفة معيّنة تتحرّك باتّجاهات مختلفة لتكريس حالة التخاذل والوهن والضعف بين المسلمين، ولكنّ ظاهر الآية وما ورد في شأن نزولها من الروايات يشير إلى أنّ هذه الصفات الثلاث هي لثلاث طوائف من هؤلاء المنحرفين وهم: المنافقون الذين يتحرّكون في بث الشائعات حول غزوات النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) لتضعيف روحية المسلمين وتقوية عنصر الانهزام والتخاذل في قلوبهم، وطائفة الأراذل والأشرار الذين يتعرّضون لنساء المسلمين ويتسببون في إزعاجهّن والتحرّش بهنّ، والطائفة الثالثة يتحرّكون في عملية بث الشائعات عن النساء المؤمنات وإتهامهنّ في عفتهن حيث يؤلمهنّ ذلك بشدّة، فنزلت الآية أعلاه من موقع التهديد لهذه الفئات الثلاث بالنفي والقتل.

أمّا قوله: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) فقد يرد في الآيات القرآنية بمعاني مختلفة، فأحياناً يشير إلى النفاق مثل ما ورد في الآية 10 من سورة البقرة: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللهُ مَرَضاً)، وأحياناً اُخرى يرد في مورد الأشخاص الذين يتّبعون غريزتهم الجنسية في دائرة الحيوانية كما ورد في الآية 32 من هذه السورة التي تخاطب نساء النبي وتوصيهنّ بأن لا يخضعن بالقول للأشخاص الأجانب حتى لا تتحرّك فيهم الغريزة ويطمعوا بالحرام فيقول: (فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).

[ 390 ]

والملفت للنظر أنّ القرآن الكريم بعد هذه الآيات (الآية 60 و 61) يضيف أنّ هذه هي سنّة الله في الأقوام السالفة (ولا تنحصر بالاُمّة الإسلامية ولا تبديل لسنة الله).

وهذا السياق الشريف يشير إلى حكم عام وارد في جميع الأديان الإلهية، وسنة إلهية قطعية لا تتبدّل، وهي ضرورة المواجهة الجادّة مقابل المنافقين والانتهازيين والذين يبثون الشائعات المغرضة (طبعاً مع حفظ جميع المقرّرات الشرعية والعقلية) وهذا هو مفهوم الغيرة بكل وضوح.

—–

وتتحرّك «الآية الثانية» لتحكي لنا عن نموذج للغيرة الدينية التي تتجلّى في سلوك أحد أكبر الانبياء الإلهيين، أي النبي يوسف(عليه السلام) وذلك عندما تعرّض للتحرش من قبل نساء مصر وخاصة زليخا إمرأة العزيز حيث طلبت منه الإستسلام والرضوخ لمطاليبهن اللاّمشروعة وارتكاب الفاحشة، وبينما كان يوسف(عليه السلام) في سن الشباب والمراهقة وتهب في صدره أعاصير الحيوية والغريزة والانجذاب إلى الدنيا، إلاّ أنّه قاوم كل هذه التحدّيات الداخلية والخارجية الصعبة حتى أنّه فضّل دخول السجن مع جميع مشقاته وآلامه على الاستسلام لمطاليبهن والرضوخ لعناصر الشهوة والمقام والجمال وطلب من الله تعالى أن يوفقّه لدخول السجن للخلاص من هؤلاء النسوة وقال: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنِ الْجَاهِلِينَ).

وهذا السياق الشريف يكشف عن مقام العصمة والعفّة ليوسف(عليه السلام) وكذلك يحكي عن غيرته وتقواه أمام الهزات، فعندما نقارن بين هذه الروحية العالية في دائرة التعفف والصمود والإرادة مع ما نجده لدى عزيز مصر من عدم الغيرة والتساهل في أمر العفّة لدى زوجته بعدما ثبت له سلوك زوجته الخائن اكتفى بالقول: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ)(1).

ويتّضح جليّاً الفرق بين هذين الرجلين من موقع الأمانة والتقوى والعفّة النفسية، ولم


1. سورة يوسف، الآية 290.

[ 391 ]

يكن يوسف(عليه السلام) يقصد طلب السجن من الله تعالى بالذات ولغرض شخصي بل كان هدفه التخلص من ممارسة اللاّمشروع وأنّه إذا خيّر بين السجن وبين الممارسة اللاّمشروعة فإنّه يفضّل السجن على ذلك العمل.

—–

وتأتي «الآية الثالثة» لتستعرض الأمر الإلهي للنساء المؤمنات بأنّه مضافاً إلى لزوم حفظ الحجاب فيجب عليهنّ أن لا يضربن بأرجلهن أثناء المشي في الطرقات لكي لا يسمع الأجنبي صوت الخلاخل من الزينة وتقول: (... وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ).

فنرى في هذه الآية الشريفة إقتران الغيرة مع العفّة إلى درجة أنّه لم يسمح للنسوة أن يضربن بأرجلهن فيسمع الرجال أصوات الخلاخل في أرجلهن، وكما أشرنا آنفاً أنّ الإسلام يأمر نساء النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) (بعنوان كونهنّ اُسوة وقدوة لسائر النساء المسلمات) أنّه عندما يتحدّثن مع الغرباء فلا يخضعن بالقول ولا يرى الغريب عنصر المرونة واللطافة في كلامهنّ ولئلاّ تتحرّك فيه عناصر الشر، كل ذلك يعدّ تأكيداً لرعاية العفّة من جهة، وكذلك الالتزام بفضيلة الغيرة من جهة اُخرى.

 

الغيرة في الروايات الإسلامية:

ونقرأ في الروايات الإسلامية الأهمية الكبيرة التي يوليها الإسلام لمسألة الغيرة بعنوانها فضيلة أخلاقية في دائرة القيم والمثل والمعنوية والكمالية للإنسان وحتى أنّ الله تعالى وصف بالغيور (أي الذي يغار كثيراً) ومن ذلك:

1 ـ ما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إِنَّ اللهَ غَيُورٌ يُحِبُّ كُلَّ غَيُور وَلِغِيرَتِهِ حَرَّمَ الفَواحِشَ ظـاهِرَهـا وَبـاطِنَهـا».

2 ـ ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام أنّه قال: «إذا لَم يَغُرِ الرَّجُلُ فَهُوَ مَنكُوسُ القَلبِ»(1).


1. فروع الكافي، ج5، ص536، ح2.

[ 392 ]

وقال العلاّمة المجلسي(قدس سره) إنّ المراد بالقلب المنكوس هنا هو التشبيه بالإناء المقلوب الذي لا يبقى فيه شيء من الطعام أو الماء، فالحديث الشريف يقرّر أنّ قلب مثل هؤلاء الأشخاص الفاقدين للغيرة خال من الصفات الأخلاقية السامية وفارغ من المثل الرفيعة(1).

وهذا التعبير يدلّ بوضوح إلى أنّ صفة الغيرة ترتبط برابطة وثيقة مع سائر الصفات الأخلاقية العليا للإنسان.

3 ـ ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قوله: «كـانَ إِبراهَيمُ أَبِي غَيُوراً وَأَنـا أَغيَرُ مِنهُ وَأَرغَمَ اللهُ أَنفَ مَنْ لا يُغـارُ مِنَ المُؤمِنِينَ»(2).

4 ـ وجاء في حديث آخر عن هذا النبي الأعظيم(صلى الله عليه وآله) قوله: «إِنِّي لَغَيُورٌ وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَغيَرُ مِنِّي وَأَنَّ اللهَ تَعـالى يُحِبِّ الَغَيُورَ» .

5 ـ وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال: «إنَّ الغِيرَةَ مِنَ الإِيمـانِ» لأنّ الإيمان يدعو الإنسان إلى حفظ الدين والبلد الإسلامي والسلوك في طريق التصدّي للأخطار التي تواجه هذه المتعلقات المهمّة للإنسان، فمن لم يتحرّك على مستوى الدفاع عنها ولم يتحرك عنصر الغيرة في أعماق ذاته فإنّه بعيد عن الإيمان(3).

6 ـ وورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) قوله: «قَدْرُ الرَّجُلِ قَدْرِ هِمَّتِهِ... وَشَجـاعَتُهُ عَلى قَدْرِ أَنَفَتِهِ وَعِفَّتِهِ عَلى قَدْرِ غَيرَتِهِ»(4).

7 ـ ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «أَتى النَّبِيّ بِاُسارى فَأَمرَ بِقَتلِهِم وَخلاَّ رَجُلاً مِنْ بَينِهِم فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: كَيفَ اطلَقتَ عَنِّي؟

فَقَالَ(صلى الله عليه وآله): أَخبَرَنِي جِبرئيل عَنِ اللهِ أَنَّ فِيكَ خَمسُ خِصال يُحِبُّها اللهُ وَرَسُولُهُ: الغِيرَةُ الشَّدِيدَةُ عَلى حَرَمِكَ وَالسَّخـاءُ وَحُسْنُ الخُلقِ وَصِدقُ اللِّسـانِ وَالشَّجاعَةَ».


1. مرآة العقول، في ذيل الحديث المبحوث.
2. بحار الانوار، ج100، ص248، ح33; كنز العمال، ج3، ص387، ح7076.
3. كنز العمال، ج3، ص385، ح7065.
4. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 47.

[ 393 ]

فلما سمع الرجل أسلم وحسن اسلامه وقاتل مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى استشهد(1).

8 ـ وفي حديث آخر عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) ضمن توبيخه لأهل العراق الذين تخرج نساؤهم من منازلهم بدون اهتمام بالحجاب ويختلطن مع الرجال فقال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لا يغـارُ»(2).

 

تعريف أقسام الغيرة:

كما أشرنا آنفاً أنّ الغيرة هي صفة أخلاقية تدفع الإنسان في طريق الدفاع المستميت عن الدين والمذهب والعرض والبلد، وأساساً فإنّ كل حالة من الدفاع الشديد عن القيم الإنسانية فهي تتضمّن نوع من الغيرة، ورغم أنّ هذه المفردة تستعمل غالباً في دائرة الغيرة على العرض والناموس ولكنّ مفهومها واسع يستوعب مصاديق أكثر.

وبالطبع فإنّ هذه الصفة الأخلاقية حالها حال الصفات الاُخرى من حيث أنّها قد يسلك بها الإنسان سبيل الافراط والتفريط وبذلك تتبدّل إلى خلق ذميم، وذلك في صورة ما إذا كان الدفاع المذكور يتّخذ صبغة التعصّب الذميم والوسواس والدفاع غير المنطقي وغير العقلائي.

فقد ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مِنَ الغِيرةِ مـا يُحِبُّ اللهُ وَمِنهـا مـا يَكرَهُ اللهُ فَأَمّا مـا يُحِبُّ فَالغِيرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمّا مـا يَكرَهُ فَالغَيرَةِ فِي غَيرِ الرِّيبَةِ»(3).

يعني أنّ الإنسان يتّهم زوجته مثلاً بعدم العفّة على أساس من الظن والاحتمال وتعتمل في صدره عناصر الوسواس والشك تجاه زوجته البريئة، فمثل هذه الحالة السلبية تكون خطرة على سلامة الإنسان والاُسرة وتؤدّي إلى تشجيع الأشخاص الأبرياء إلى الوقوع في وحل الخطيئة وتقودهم إلى مستنقع الرذيلة.